ابن قيم الجوزية
92
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
وأما النوع الثاني وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف إليها أربعة أخر : أحدها : مقام العفو والصفح . الثاني : مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها . الثالث : مقام شهود القدر وأنه وإن كان ظالماً بإيصال هذا الأذى إليك فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه فالمتسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وإن اختلفت طرقه وأسبابه . المقام الرابع : مقام الاحسان إلى المسئ ومقابلة إساءته باحسانك وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح مالا يعلمه إلا الله فإن فات العبد هذا المقام العالي فلا يرضى لنفسه بأحسن المقامات وأسلفها . [ فصل ] القسم الثالث : ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه . وللشيطان هاهنا دسيسة عجيبة وهي أن يخيل إليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوي وغايته أن يكون كالتداوي بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوي لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من